الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
505
المنقذ من التقليد
السفر الأوّل : ان هاجر لما غضبت على سارة تراءى لها ملك للّه تعالى ، فقال : يا هاجر أين تريدين ؟ ومن أين أقبلت ؟ قالت : أهرب من سيّدتي سارة . فقال لها : ارجعي إلى سيّدتك واخضعي لها ، فانّ اللّه سيكثر زرعك وذريتك ، وستحبلين وتلدين ابنا وتسمّيه إسماعيل من أجل أنّ اللّه تعالى سمع تبتلك وخشوعك ، وهو يكون عين الناس ، ويكون يده فوق يد الجميع ، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع ، وهو يسكن على تخوم أرض جميع أخوته » « 1 » وهكذا نقل ابن رباء الطبريّ ، وفي بعض النسخ ابن ربّن الطبيب . قال الشيخ أبو الحسين : « فسمعت بعض اليهود ينقل كذلك : « وتكون يده في الكلّ ويد الكلّ فيه » ، قال : لأنّ الموجود في العبراني : « باذبكول وباذكول » وزعم أنّ هذا الباب يحتمل أنّ يده متصرّفة في الكلّ ، ويحتمل أنّ يده في الكلّ بمعنى أنه يكون مخالطا للكلّ » « 2 » ووجه الاستدلال بهذا الكلام أنّه خرج مخرج البشارة ، وليس يجوز أن يبشّر الملك من قبل اللّه تعالى بالظلم والجور وبأمر لا يتمّ إلّا بالكذب على اللّه سبحانه . ومعلوم أنّ إسماعيل وولده لم يكونوا منصرفين في الكلّ ، أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم ، ولم يكونوا مخالطين للكلّ وممازجين لهم وأيديهم معهم وأيدي الكلّ معهم إلّا بالإسلام ، لأنّهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية ، لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العرب وأوائل الشام إلّا على خوف تام فلمّا جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجوا الأمم ووطنوا بلادهم ، ومازجتهم الأمم وخالطوهم وقصدوهم وحجّوا قبلتهم ودخلوا إلى باديتهم ، لمجاورة الكعبة ولأخذ معالم الدين من المدينة أو مكّة .
--> ( 1 ) العهد القديم ، سفر التكوين ، الأصحاح السادس عشر . المطبعة الأمريكية ، بيروت ، 1933 . ( 2 ) لا يوجد لدينا هذا الكتاب .